محمد بن جرير الطبري

19

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً يقول : أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا يوم القيامة . حدثنا موسى ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً يعني يوم القيامة . وإنما حض الله عز وجل المؤمنين بهذه الآية على طاعته والتزود في الدنيا للآخرة ، فقال جل ثناؤه لهم : استبقوا أيها المؤمنون إلى العمل بطاعة ربكم ، ولزوم ما هداكم له من قبلة إبراهيم خليله وشرائع دينه ، فإن الله تعالى ذكره يأتي بكم وبمن خالف قبلتكم ودينكم وشريعتكم جميعا يوم القيامة من حيث كنتم من بقاع الأَرض ، حتى يوفى المحسن منكم جزاءه بإحسانه ، والمسئ عقابه بإساءته ، أو يتفضل فيصفح . وأما قوله : إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فإنه تعالى ذكره يعني أن الله تعالى على جمعكم بعد مماتكم من قبوركم من حيث كنتم وعلى غير ذلك مما يشاء قدير ، فبادروا خروج أنفسكم بالصالحات من الأَعمال قبل مماتكم ليوم بعثكم وحشركم . القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ . . . عَمَّا تَعْمَلُونَ يعني جل ثناؤه بقوله : وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ ومن أي موضع خرجت إلى أي موضع وجهت فول يا محمد وجهك يقول : حول وجهك . وقد دللنا على أن التولية في هذا الموضع شطر المسجد الحرام ، إنما هي الإِقبال بالوجه نحوه ؛ وقد بينا معنى الشطر فيما مضى . وأما قوله : وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فإنه يعني تعالى ذكره : وإن التوجه شطره للحق الذي لا شك فيه من عند ربك ، فحافظوا عليه ، وأطيعوا الله في توجهكم قبله . وأما قوله : وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ فإنه يقول : فإن الله تعالى ذكره ليس بساه عن أعمالكم ولا بغافل عنها ، ولكنه محصيها لكم حتى يجازيكم بها يوم القيامة . القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ يعني بقوله تعالى ذكره : وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ من أي مكان وبقعة شخصت فخرجت يا محمد ، فول وجهك تلقاء المسجد الحرام ؛ وهو شطره . ويعني بقوله : وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ وأينما كنتم أيها المؤمنون من أرض الله فولوا وجوهكم في صلاتكم تجاهه وقبله وقصده . القول في تأويل قوله تعالى : لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فقال جماعة من أهل التأويل : عنى الله تعالى بالناس في قوله : لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ . أهل الكتاب . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ يعني بذلك أهل الكتاب ، قالوا حين صرف نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة البيت الحرام : اشتاق الرجل إلى بيت أبيه ودين قومه . حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر ، عن الربيع في قوله : لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ يعني بذلك أهل الكتاب ، قالوا حين صرف نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة اشتاق الرجل إلى بيت أبيه ودين قومه . فإن قال قائل : فأية حجة كانت لأَهل الكتاب بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه نحو بيت المقدس على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ؟ قيل : قد ذكرنا فيما مضى ما روي في ذلك ، قيل إنهم كانوا يقولون : ما درى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم نحن ، وقولهم : يخالفنا محمد في ديننا ويتبع قبلتنا فهي الحجة التي كانوا يحتجون بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه على وجه الخصومة منهم لهم ، والتمويه منهم بها على الجهال وأهل العناد من المشركين . وقد بينا فيما مضى أن معنى حجاج القوم إياه الذي ذكره الله تعالى ذكره في كتابه إنما هي الخصومات والجدال ، فقطع الله جل ثناؤه ذلك من حجتهم وحسمه بتحويل قبلة نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به من قبلة اليهود إلى قبلة خليله إبراهيم عليه السلام ، وذلك هو معنى قول الله جل ثناؤه : لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ يعني بالناس : الذين كانوا يحتجون عليهم بما وصفت . وأما قوله : إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فإنهم مشركو العرب من قريش فيما تأوله أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قوم محمد صلى الله عليه وسلم . حدثني موسى بن هارون ، قال : ثنا عمرو بن حماد ، قال : ثنا أسباط عن السدي ، قال : هم المشركون من أهل